loader

عربيات ودوليات

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

بايدن والمعضلة الفلسطينية.. مقترحات للتعامل


مما لا شك فيه أن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة قد تولى منصبه في ظروف استثنائية للغاية نتيجة لعدم إقرار سلفه بالهزيمة الانتخابية إلى آخر لحظة، بل وقيام أنصاره بالاعتداء على مبنى الكونغرس لمنع إقرار نتيجة الانتخابات، والتخطيط للقيام بإشاعة الفوضى في البلاد. وعلى الصعيد الخارجي، فإنه يقع على عاتق الإدارة الجديدة أن تعالج العديد من الملفات الشائكة التي نتجت عن المقترح الذي تبناه الرئيس السابق والذي استند بشكل رئيس على طرق إتمام الصفقات التجارية بعيدا عن الحسابات الدقيقة التي تفرض نفسها على التحركات الدولية لقوة عظمى بوزن وثقل الولايات المتحدة.
فيما يخص المشكلة الفلسطينية، تجد الإدارة الجديدة نفسها أمام واقع مختلف للغاية عن ذلك الذى وجدته الإدارات السابقة، فمن جانب تبنت واشنطن -بقيادة ترامب- مواقف منفردة لتحسم قضايا التسوية النهائية، التي تركتها الإدارات السابقة للمفاوضات بين الأطراف المعنية- بما في ذلك إدارة باراك أوباما، التي شغل فيها بايدن منصب نائب الرئيس، على النحو الذي تمت بلورته في القرار الصادر عن مجلس الأمن في يناير 2017 والذي دان الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس باعتباره عملا غير مشروع ويخالف مبادئ القانون الدولي عامة، والقانون الدولي الإنساني على وجه الخصوص خاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وعلى صعيد آخر، تعذر رصد مظاهر نجاح ملموس
لصفقة القرن التي طرحها الرئيس ترامب على تسوية القضية الفلسطينية، واقتصر الأمر فقط على ما تم فرضه على أرض الواقع بقرارات صادرة عن إدارة ترامب سواء فيما يتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو نقل السفارة الأميركية للقدس أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، أو وقف التمويل الأميركي لمنظمة الأونروا.
وإذا كان المشهد العربي قد شهد بعض التغيير في شكل اقدام بعض الدول على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل فإن الأمر لا يعني بالضرورة التسليم بضياع حقوق الشعب الفلسطيني، فعلى سبيل المثال لم يكن من شأن اتفاقيات السلام بين كل من مصر والأردن مع إسرائيل أن تغيير من موقف الدولتين الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني. كما أن وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض كان موضع ترحيب من كل من حركتي «فتح» و«حماس»، اللتين وإن تنازعتا على أرض الواقع، فقد اتفقتا على رفض «صفة القرن»، وأعربتا عن الأمل في العمل مع القيادة الأميركية الجديدة لتحقيق السلام العادل في المنطقة استنادا إلى حل الدولتين التي طالما ساندته الإدارات الأميركية المتعاقبة باستثناء حقبة دونالد ترامب.
وبالرغم مما تقدم، فإنه يلزم طرح ملاحظتين رئيسيتن تحكمان تحرك الإدارة الجديدة تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وهما:
أولا: أن الملف الإيراني سيظل الملف الرئيس المسيطر على اهتمام الإدارة الجديدة في تعاملها مع منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن الأمر يتصل بأمن منطقة الخليج من جانب، وما تم رصده من تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم من قبل النظام الإيراني في الفترة الأخيرة.
من جانب آخر. الأمر الذي قد يؤدي إلى انفلات الأمور، بل وإقدام اسرائيل على توجيه ضربة عسكرية مفاجئة لإيران كان يأمل أن يقوم بها الرئيس ترامب قبل مغادرته للبيت الأبيض.
ثانيا: أن الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس الجديد، وإن عكست رغبته في إعادة بعض التوازن إلى السياسة الخارجية الأميركية، سواء فيما يتصل بالاتفاقيات العسكرية مع روسيا أو اتفاقية المناخ والعلاقات مع منظمة الصحة العالمية، إلا أنه عندما يتصل الأمر بالعلاقات التي تتصل بإسرائيل فإن الأمر يلزم أن يخضع إلى عملية تقييم دقيقة للموقف من قبل القائمين على ملف السياسية الخارجية من جانب، وعلى توازنات القوى
في المنطقة من جانب آخر.
في المقابل، تتوافر بعض المعطيات التي يلزم الإسراع في استثمارها لإعادة تشكيل السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية وأبرزها:
1- الهجمة الاستيطانية الشرسة التي قادتها إسرائيل في الفترة الأخيرة وحتى عشية تنصيب بايدن استنادا إلى شرعنه سلفه للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والدور المؤثر الذي لعبه سفيره لدى إسرائيل ديفيد فريدمان والذي كان من عتاة المناصرين للاستيطان عن التحركات العملية التي قام بها وزير خارجيته مايك بومبيو والتي كان آخرها زيارته لمستوطنة يهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
2- الاتهام الأخير الذي وجهته منظمة «بتسليم» لحقوق الإنسان في إسرائيل كحكومة نتانياهو، كونها تمارس سياسة الفصل العنصري تجاه سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة والمواطنين العرب في إسرائيل، ولا يمكن التقليل من أهمية توقيت صدور هذا التقرير من جانب منظمة
إسرائيلية، قبيل أيام من تنصيب الرئيس الأميركي الجديد، في وقت تطلعت فيه الأنظار إليه ليقوم بإزالة الآثار السلبية التي ترتبت عليه المواقف غير المدروسة التي أقدم عليها سلفة والتي قادت إلى تعقيد علاقات الولايات المتحدة مع العالم الخارجي، دون أن تتمكن من تسوية جوهر القضايا والصراعات الرئيسة.
3- الانقسامات السياسية الصارخة على الساحة الإسرائيلية وما قد يسفر عنه ذلك توفير حرية حركة أكبر للإدارة الأميركية الجديدة لإعادة تقييم سياسة سابقتها تجاه طريقة التعامل مع الملفات الحساسة التي تتناقض فيها المواقف المعلنة للإسرائيليين والفلسطينيين.
تتضح أهمية هذه النقاط في ظل حالة اليأس التي شاعت بين شرائح الشعب الفلسطيني وعدم قدرة قادته على احداث تغيير جدي على أرض الواقع، ومن شأن ذلك ان يقوي من مشاعر السخط على الولايات المتحدة، ما لم تنجح الإدارة الجديدة من رسم صورة أكثر توازنا للبلاد على جميع المستويات، خاصة وأن الإرهاب عاد ليطل برأسه مجددا نحو الذي أكدته
تفجيرات بغداد في نهاية الأسبوع الماضي، والتي قد تكون بداية لموجة جديدة لتجنيد الساخطين في المنطقة ودفعهم للقيام بأعمال من شأنها زعزعة أمن واستقرار المنطقة بالكامل، سواء بالتخفي وراء عباءة الدين أو العدالة أو غيرها.
في ضوء ما تقدم، يتمثل المطلوب في دفع الإدارة الجديدة هو أن تطرح مقترحا واضحا لكيفية تعاملها مع المشكلة الفلسطينية بما يخالف ذلك الذي تبنته الإدارة التي سبقتها. وهنا يلزم التأكيد على حقيقة أن الاختلاف المنشود التوصل إليه لا يجب أن يقتصر فقط على مجرد العودة إلى تبني
مواقف سابقة، سواء فيما يتصل بعدم شرعية الاستيطان، أو تبني حل الدولتين، أو عودة المشاركة الأميركية في تمويل منظمة الأونروا، ولكن المطلوب هو الانتقال إلى مرحلة تسوية الصراع بشكل عادل، يحافظ على أمن واستقرار المنطقة، وليس فقط أمن واستقرار طرف واحد من الأطراف. وبعبارة أخرى، فإنه إذا كانت الإدارات السابقة قد تبنت منهجية «إدارة الصراع»، واتجهت إدارة ترامب الي «حسمه» بقرارات فردية، فإنه تقع على إدارة بايدن أن تعمل على «تسويته» بشكل عادل بما يعيد الاعتبار إلى قرارات الشرعية الدولية التي ترغب الولايات المتحدة العودة إلى احضانها بعد فترة من القطيعة استمرت أربعة أعوام.
من أبرز التوصيات التي يمكن طرحها في هذا الصدد، وجود تحرك عربي منسق وقوي تجاه الإدارة الجديدة بهدف ترجيح خيار التسوية العادلة باعتباره الخيار الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة، ويمكنها من التعامل مع المخاطر الجديدة التي تحيق بها.
وبالتوازي مع ذلك تلزم مخاطبة مراكز صنع القرار الدولية التي أجمعت على تبني قرار مجلس الأمن الصادر في يناير 2017 حول عدم شرعية الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس، من أجل العودة إلى الساحة لاستكمال ما بدأته بعد فترة من التوقف التي فرضتها التصرفات
الفردية الصادرة من واشنطن والتي لم تسفر عن تسوية حقيقية لجوهر الصراع، بل على العكس من ذلك زادت من تفاقمه.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد