loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

إشراقات

كيف نستثمر العطل؟


كثيرة هي التساؤلات التي تصلني عبر البريد، تطالبني بالابتعاد عن جو السياسية، حيث البلاد لا تهدأ بها أجواء المعارك السياسية إلا بالعطلة الشتوية والصيفية سواء، وينصحني بعضهم دوما بالكتابة في شؤون الأدب، كوني كثير الحب للكتب، وعشقي أن أزور المكتبات، وأجوب دور النشر، كل أسبوع تقريبا، بل ويعرفني غالبية بائعي الكتب في الكويت وخارجها، فحكمتي التي أرددها كلما رآني احد متوسدا كتابا بين يدي، أو كلما ركب معي أحد بسيارتي، إلا وطارت عيناه من كثرة الكتب التي تعج بها مطيتي إلا قلت له حكمة المتنبي:
أعز مكان بالدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
لكن في المقابل يقول الرافعي الأديب المصري» القارئ يفيد نفسه والكاتب يفيد غيره» فما لنا إلا الخروج عن كآبة المنظر وسوء المنقلب إلى رحابة الفكر وسرحت الأدب ولله در من قال:
لعمرك ما الأيام إلا معارة
فما استطعت من معروفها فتزود
كنت دوما أسدي النصيحة لي ولغيري بالقراءة في كل شيء، وتنويع القراءات في شتى صنوف المعرفة والآداب، فكلما تنوعت قراءاتك، قويت معدتك الذهنية، وتفتحت دائرة فكرتك العقلية، كما يقول عباس العقاد، فلكل كتاب حكمته ومنفعته، حتى لو كان سيئا، فيكفي بها أن تتعلم أيها أفضل؟ وأيها أنفع؟ وأيها أوهن ؟ فتنفتح قريحتك النقدية، وتتحرك مشاعر الإنسانية قدحا ومدحا وذما، والكاتب الجيد، هو أولا وأخيرا قارئ جيد، لذا تجد الفرق بائنا ومنعكسا على سلوك الإنسان المتعلم، وعلى منطقه وأسلوبه وهذا الأمر لا يعزب عن القارئ الفطن.
وآية ذلك الإنسان البشري بطبيعته لا يستكين ولا يزال يهتك عزلته ويصارع الطبيعة ويوظفها بالاختراع والإبداع تسهيلا للحياة، وكل ذلك منشأه لغريزتين اثنتين (حب المعرفة والخيال) فحب المعرفة، هو الذي يدفع الإنسان للتعلم بالمحاولة والخطأ، والخيال هو الداعي للاختراع وتطور الحياة، وكلاهما لا يتأتى إلا بالتعلم والقراءة، والعقل المنفتح على الثقافات والآداب الإنسانية الداعية للحق والخير والجمال.
وقد تقتل تلك الغريزتين «حب العلم والخيال» عندما تواجه صدا ونكوصا من الأسرة والمجتمع والمدرسة، فمما لاشك فيه أن الأسرة والمجتمعات المتطورة هي الوعاء الحاوي لتلك النزاعات الإنسانية التي توظفها وتستثمرها الاستثمار الأمثل وتهتم بالتربية السليمة وتضع جل ميزانيتها -ليس للتسلح والدفاع- بل للجامعات والمدارس وتعليم الناس وخلق أفراد منتجين ومبدعين وخيريين.
أذكر أن الميزانية التي تنفقها إسرائيل على الأبحاث العلمية تفوق جميع الدول العربية باجمعها، لذا هم في السماء ونحن في السماد.
فلابد لأمة اقرأ أن تقرأ وتمتثل لهذا الأمر الرباني الذي أتى كأول أية وكأول تتويج للبشرية «للانتقال من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة» كما قال ابن خلدون.
فبذلك أنصح لكل من انتهك إنسانيته وعدم بشريته -بعدم القراءة- إلى محاولة الإقدام لتجربة جديدة ولذة فريدة والولوج إلى عالم القراءة، فالحياة الواحدة لا تكفي لمن هم أفراد، وليبدأ بالقصص كونها الصنارة الجاذبة لحب المعرفة وهي «عبرة لأولي الأبصار» خصوصا القصص العالمية، كأديب روسيا العظيم دوستويفسكي وقصة ملحمة الإلياذة، وأديب فرنسا» هوجو» ومسرحيات شكسبير وقصص ألف ليلة وليلة ونجيب محفوظ وماكيز وتشيخوف، وينتقل بعدها لنثر الجاحظ والتوحيدي والمنفلوطي والمعري وشعراء العرب وبعدها يبحر في ملكوت الفلسفة والاجتماع والتاريخ والفيزياء عندها تتعود على القراءة «فالإنسان ابن عادة لا ابن عبادة» فبالقراءة تنزل السكينة وتبرد العواطف والإحساسات الإنسانية وتنتقل إلى عوالم جديدة وجنات غربية تشعر بها برعشة برود المشاعر في هذا الصيف الحار..
يقول أفلاطون:
«نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر... ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر...وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر» بل وحيوانات إذا لم نتغير ونقرأ ونفكر يا سعادة الفيلسوف.
فلنستغل هذه العطلة الشتوية، باقتحام عالم القراءة المعرفية (اقرأ وربك الأكرم) فتكرم من الله عقليا وماديا ونفسيا وحضاريا بالقراءة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد