loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

أصبوحة

المتسكعون في شارع السياسة


أشعر أحيانا أن السياسة مهنة لا يمارسها الا العاطل عن العمل أو الذي يشعر بالفراغ ويبحث عن أي مهنة او مهمة او حتى هواية يستهلك بها الوقت والجهد الزائد عن الحاجة خاصة اذا كان هذا العاطل لا يجيد أي نوع من أنواع الأنشطة السياسية، تحالفات أو تكتيكات أو تحركات وتكون لغة الكلام لديه قد(تعطلت) أيضا، ولأن مهنة السياسة بها بعض النفس الشيطاني ان لم يتعوذ الانسان من ابليس عملا وقولا فانها تشبه الأفعى الناعمة الملمس القاتلة ان ضربت بنابها أو أنها تشبه دورية الشرطة التي يمكن فتح بابها من الخارج لكن من يصعد المقعد الخلفي ويغلق الباب لا يستطيع ان يفتحه من الداخل أو يخرج منها، وقد رأينا الكثير من السياسيين الذين أعجبهم بيت السياسة من الخارج في أول الأمر أو راقهم ملمس جلدها الناعم ثم تمنوا لو أنهم لم يدخلوا ذلك البيت أو لم يلمسوا ذلك الجلد بعد أن أغلقت عليهم الباب وقالت هيت لكم ليكتشفوا ماخورا، وبعد أن غرست الأفعى نابها بأجسادهم وتركتهم يلعنون اليوم الذي دخلوا فيه الباب أو لمسوا فيه الجلد فقد كان سمها من النوع الذي يجعل (المقروص) بين الحياة والموت.
والعجيب أن السياسي ان دخل عالم السياسة ينسى أو يتناسى كل الذكريات القديمة والوجوه المعتادة والأماكن المرتادة، ثم حين ترميه «آلة الطرد المركزي» السياسية خارج نطاقها اما عبر الفشل في الانتخابات أو عبر الاستغناء الوزاري أو بعد ان يتجاوزه قطارها في لحظة (فهوة) فانه يبدأ بذم السياسة والسياسيين وبيئة العمل السيئة والساعة التي دخل فيها عالم السياسة جهارا نهارا، ويبدأ بعد ذلك بتقديم النصائح للسياسيين الجدد في الابتعاد عن عالمها لأنه عالم انتهازي سيء وخالي من القيم، لكنه اذا ما أتته الفرصة ثانية فلن يتردد بالدخول في اللعبة من جديد.
وقد تساءل أحد الأصدقاء (الدكاترة) قبل أيام «ألا يوجد نائب شريف وشجاع يقدم استجوابا بخصوص الظلم الذي يتعرض له (البدون)، فقلت «شريف وشجاع معا صعبة ولكن يوجد شريف خواف أو شجاع فاسد».
ولأن الفساد كذلك يحتاج الى جرأة أو شجاعة فاني أصاب بالحيرة أحيانا عندما أرى السياسي الشريف خوافا فأتساءل لماذا لا يقع هذا النوع من السياسيين في الفساد، هل لأنه شريف يكره الفساد أو لأنه خواف لا يجرؤ على الفساد، فلعل شرفه بدافع الخوف لا بدافع المبدأ أي أن الخواف شريف وليس الشريف خوافا، وهي حالة موجودة بالتأكيد وان كان وجودها لا ينفي وجود الحالة الأخرى (الشريف الحقيقي)، ولكن لأن البيئة السياسية اختلط حابلها بنابلها فلم نعد نميز بين الأصناف السياسية بأنواعها بل لم نعد نميز بين السياسيين لأن التمييز لا يضيف للجودة شيئا، على أن بعض الفاسدين يمكن أن يخدم بفساده مشروعا وطنيا او قوميا، فهذا رئيس أعظم الدول مثلا (جمبازي) من الطراز الكبير وقد سخر (جمبزته) لخدمة وطنه لكنه لو أنشأ صندوقا استثماريا بعد نهاية ولايته فلن يكتتب به أحد لأن طريقة عمله التي حفظها الناس واختلفوا حولها يمكن وصفها بالشجاعة الفاسدة، وبالتالي هو لا أمان له ويمكن أن ينهب أموال الناس تحت أي عنوان شريف يتجاسر به على أموالهم بشجاعة.
ومن المهم ان نصف البيئة السياسية بالشارع الذي يتخذه كل راغب بالعمل في هذا المجال طريقا، فنجد من يمر بهذا الشارع مرور الكرام مشيا على الأقدام أو بسيارة، وهؤلاء مجرد مارة لم يجدوا في السياسة فرصة أو وظيفة فغادروها مثلما دخلوها، غير أن الشبه بين العاملين بالسياسة ومتسكعي الشوارع كبير، فمتسكعي الشوارع ومع طول تسكعهم يشكلون أنواعا من الصداقات أهم أسسها (ساعدني واساعدك) أو عداءات أهم أسبابها (شفيك تخز)، وفي السياسة ايضا تقوم الصداقات والعداءات على أساس ساعدني واساعدك وشفيك تخز.
ولأن فئة من متسكعي الشوارع هم من مدمني المخدرات فان فئة من السياسيين يمكن أن نصفهم بمدمني السياسة لأنهم يأكلون ويشربون ويلبسون سياسة، ولذلك تجد بعض هؤلاء السياسيين يعانون من الشرود والتشتت الذهني والتشرد أيضا، ومثل هذا النوع من السياسيين يمكن أن نصفه بمدمن او متعاطي سياسة لا سياسي، لأنه ان صحا من سكرته أو نشوته لا يمكن الاعتماد عليه، غير أن أخطر ما في عالم السياسة يشبه أخطر ما في الشارع، فمثلما في الشارع أشخاص يتحركون في الخفاء قد يكونون بائعي مخدرات أو مرجعيات في التسكع فان في البيئة السياسية عالم خفي يتحرك فيه المال والوجاهة والآمرون والناهون، وهؤلاء قد لا تراهم بالعين المجردة لكن البعرة تدل على البعير والأثر يشير الى المسير، فكم من قضية ولدت من عدم وكم من أخرى اختفت بعد بروز فذهبت الى العدم دون أن نعرف كيف خرجت هذه وكيف اختفت تلك، كل ما نعرفه أو نؤمن به وبشكل قاطع أن أحدا ما يحرك الأحجار على رقعة الشطرنج وأن من له مصلحة في هذه البيئة السياسية يجب أن يعرف كيف يستفيد من الحركة الحاصلة ثم يجب أن يعرف مستخدم الشارع من غير المتسكعين متى يمشي معه بالطول مع الماشين ومتى يقطعه بالعرض عبورا.
وعادة ما يكون السياسيون على ثلاثة أنواع، أحدهم يهوى النجومية ويحب الشهرة فتجده نجما وهو في الحقيقة لا يضيء بذاته وانما يعكس ضوء الآخرين ويجعجع غالبا بلا طحين، والآخر ينزوي (في الركن البعيد الهادي) ثم يحرك النجوم كما يشاء والنجوم تطيعه ولا ترفض له طلبا وان رفضت فلن تضيء بعد ذلك وهو الذي يتحكم بخيوط اللعبة دائما، وأما الثالث فانه يترقب ويستفيد من مسارات اللعبة فيخرج بهامش ربح دون ثمن يدفعه أو مساعدة تقدم له أو منة من أحد وهو أخطرهم جميعا والذي يصنع الاختلافات التاريخية الخالدة دائما في مسيرة الشعوب وتاريخ الدول.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد