loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

فصلان جديدان في تمثيلية النيولبرالية


منذ حوالي ربع قرن، وفي منتجع دافوس السويسري، احد ابرز معاقل الدعم للفكر والممارسات النيولبرالية، حصل اقرار مبكر من بعض منظمي اجتماعات دافوس السنوية الشهيرة بأن العولمة قد دخلت طوراً جديداً يتميز بتصاعد ردود الفعل العنيفة ضد ممارستها الاقتصادية النيولبرالية، ما سيهدد الاستقرار الاجتماعي ويهيئ لظهور زعامات وحراكات شعبوية متطرفة تتحول تدريجيا الى حالات عصيان. وبعد عشر سنوات لخص احد عرابي النيولبرالية العولمية، الن غرنسبان، الأسباب الكامنة وراء ذلك التنبوء عندما اشار الى ان النمو الاقتصادي في العالم يصب في مصلحة الأغنياء، بينما يبقى العمال في وضع لايحسدون عليه، وأضاف بأن ذلك سيؤدي الى توترات اجتماعية وتغيرات اقتصادية جذرية.
التمثيلية التي نشاهدها الآن فوق مسرح النيولبرالية الرأسمالية المتوحشة المنفلتة يؤكد اقوال ومخاوف الأمس تلك. وتتمثل تلك المسرحية في فصلين جديدين متقابلين ومتناقضين.
الفصل الأول يظهر اضافة لممارسة عولمية نيولبرالية جديدة. فبعد انتقال الرأسمالية النيولبرالية، كرأسمالية انتاجية، من تسليع الانتاج المادي الكلاسيكي وتسويقه كبضائع تجارية تباع وتشترى، الى رأسمالية استهلاكية تقوم بتشييئ الانسان وتسليعه وتسليع كل انواع نشاطاته الانسانية غير المادية من فنون ورياضة وأفكار، نتعايش الآن مع الرأسمالية الخيالية الرافضة للواقع، التي اضافت في المدة الأخيرة نوعا جديدا من التسليع على يد الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، وهو تسليع العلاقات بين الدول. كل علاقة لها ثمن يدفع، اما بشكل اموال او بشكل فتح اسواق وخضوع سياسي. ماعادت الصداقات الطويلة الأمد ولا التحالفات القديمة قادرة على ان توقف موجة التسليع الجديدة.
وعليه، اذا كانت دولة ما تريد من دولة كأميركا حماية عسكرية، او دعماً سياسياً في المحافل الدولية، او غض الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان، فعليها ان تدفع ثمن الحماية او الدعم او غض الطرف ان كانت دولة غنية، او ان تفتح اسواقها للبضائع او الشركات الأميركية ان كانت دولة فقيرة. انه تسليع لكل ممارسة سياسية فيما بين الدول القوية البائعة من جهة والدول الضعيفة الشارية من جهة اخرى.
فاذا اضفنا الى ذلك انسحاب اميركا من اتفاقيات والتزامات حماية البيئة من آثار التلوث الناتج عن النشاطات الصناعية، اي التجاهل العبثي لكل الانذارات الصادرة عن مراكز البحوث والعلماء بشأن توجه بيئة الكرة الأرضية نحو الكارثة اذا استمر مستوى ذلك التلوث في تزايد مستمر فاننا ندرك ان افكار وقيم الرأسمالية النيولبرالية لم تعد مقتصرة على الاقتصاد، وانما اصبحت فلسفة شمولية تطال الانسان والحياة الطبيعية والمعنوية كلها بعد ان اصبحت العلاقات السياسية سلعة من السلع. انه تطور مرعب نحو ادارة العالم بمنطق تنافس السوق واحتكاراته وأنانيته وجشعه الذي لايشبع.
أما الفصل الثاني فتكتبه الأحداث الجارية في شوارع مدن فرنسا في هذه اللحظة، والتي شاهدنا مثلها من قبل كمظاهرات غاضبة صاخبة في مدن العراق منذ فترة قصيرة وفي المدن التونسية في هذه الأيام. كما تكتبه في العديد من بلدان الغرب الرأسمالي القوى اليمينية الشعبوية الغاضبة المنادية بعدم الأخذ بالعديد من ممارسات العولمة والتراجع مجدداً نحو الدولة الوطنية الحمائية المعنية بمصالحها الذاتية كأولوية قصوى. انها جميعاً ارهاصات لردود الأفعال التي نبه الى امكانيات مجيئها بعض عتاة المنادين بالنيولبرالية منذ سنين عديدة كما فصلنا سابقاً.
في الفصل الأول هناك استمرارية لمحاولات تطوير ودفع الرأسمالية العولمية النيولبرالية لتصبح النظام الأوحد في هذا العالم ولتكتسح كل النظم الاقتصادية الأخرى، وليهيمن فكرها وتهيمن قيمها على النشاطات السياسية والاجتماعية والثقافية، بحيث تصبح املاءات الاقتصاد الرأسمالي النيولبرالي هي المرجعية العليا للحضارة الحديثة. وكالعادة فان النظام الرأسمالي، في اي شكل كان، لن يتعلم من عثراته وأزماته التاريخية السابقة، وسيجد لديه ساسة، من امثال ترامب، وأكاديميين، من امثال اساتذة مدرسة شيكاغو الشهيرة التي نشرت الفكر النيولبرالي على نطاق واسع ودربت اعدادا كبيرة من الطلبة لتطبيقه في بلدانهم. ولذلك فالأمل في تراجع امثال هؤلاء الساسة والأكاديميين ضعيف. نرجسيه هؤلاء لن تسمح لهم بالانفتاح على فكر الآخرين والاعتراف بالثقافات الأخرى.
الأمل اذن هو في بعض من يكتبون الفصل الثاني: انهم العمال والمزارعون والطلاب والمنتمون للطبقة الوسطى واصحاب الضمير الملتزمون بالقيم الانسانية الذين بدأوا، كعادتهم عبر التاريخ، بمقاومة هذا النظام الاقتصادي الجائر. انهم هؤلاء الذين، اضافة لا نسحاقهم المادي، بدأ وعيهم ينضج ليرى مساوئ ذلك النظام الكبرى.
انهم يعون الغياب شبه التام للعدالة، وعلى الأخص العدالة الاجتماعية، ما يخلق تفاوتاً طبقياً عالمياً كارثياً يتميز بازدياد الفقراء فقراً والأغنياء غنى. انهم يعون محاولات اضعاف دولة الرعاية الاجتماعية ويشاهدون جنون الخصخصة. انهم يعرفون انهم وحدهم يحملون عبء دفع مديونيات بلادهم المدمرة لاقتصادهم الوطني. انهم يقفون حائرين امام تشييئ وسلعنة كل شيء على حساب انسانيتهم ومن اجل مصالح المترفين الخاصة.
الوعي بكل ذلك هو الذي يكتب الفصل الثاني، وسيوصل نهاية التمثيلية اما الى اصلاح جذري انساني او الى موجة جديدة من الدمار البشري. انه التاريخ وهو يعيد كتابة قصصه.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات